عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
3868
بغية الطلب في تاريخ حلب
ذكره كان شيخا صالحا فاضلا متعبدا مجتهدا ناسكا كثير التقفر والسياحة والانفراد ظهرت له براهين وكرامات وكان أصله رحمه الله من أهل القيروان وكان مسكنه بالجلود جرت له في شبيبته صبوة وفتوة واتباع للشهوات ثم رجع عن ذلك فتاب وأناب وسبب رجوعه ما حدثني أبو عبد الله محمد بن هيبون الجزيري قال حدثني بعض شيوخي قال كان سبب توبة زهرون الطرابلسي أنه شق سوق العطارين بالقيروان فرأى فيه حدثا جميلا فوقع في نفسه منه شيء فدخل السوق فباع بدراهم كثيرة وكان رباعا بباب الغنم يجلب الغنم إلى الداران فأتى بالدراهم نصف النهار وقت خلاء الأسواق فالتمس هو تلك الخلوة فأتى فوجد الحدث جالسا وحده في الدكان فصب الدراهم في حجره قال فنفضها الحدث من حجره إلى الزقاق قال فأقبل زهرون يجمعها من الأرض وهو يقول هذه حيرة الذنوب قال فأحدث توبة في الوقت وترك الدنيا وأقبل على العبادة والتبتل وحج حججا كثيرة ذكر عن أبي بكر بن سعدوس المتعبد وكان من أصحابه أنه حج سبعا وعشرين حجة وكان يأخذ طريق تبوك بلا زاد ولا راحلة على طريق القفر والبوادي وهي طريقة معروفة عند أهل الفقر يأخذها منهم أهل الصحة والأكابر من الفقراء كان بنو أمية يأخذونها من دمشق إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عفت آثارها وخربت ديارها وغارت مياهها قال وقال أبو بكر بن سعدوس قلت لزهرون أخبرني ما أعجب شيء رأيته بجبل اللكام قال بينا أنا أمشي فيه إذ أصابني العطش فإذا حجر حية فرأيت شيئا هالني فقست في عرضه ستة أشبار فقلت هذه حية واردة الماء فتبعت الأثر إلى هبط من الأرض فإذا بماء في فواره عليه تلك الحية برأس كرأس البقرة وقرنان كقرنيها وعينان كعينيها فأفزعني ذلك فقلت لنفسي أين ما تدعين من حال التسليم فقلت لا بد من التمسح بها فقالت لي نفسي من جهة ذنبها فقلت لا من جهة رأسها فأقبلت فوضعت مرفقي عليها وألصقت خدي بخدها فإذا هي